مولي محمد صالح المازندراني

136

شرح أصول الكافي

تعالى عادل ومن عدله دعا الناس إلى الايمان لا إلى الكفر ، فمن آمن به وثبت ايمانه في علمه لم ينقله من الايمان إلى الكفر ولم يسلب عنه لطفه وتوفيقه ابداً ، وهو يخرج من الدنيا مؤمناً وما قد يتفق من نقل المؤمن إلى الكفر فإنّما هو إذا كان الإيمان مستودعاً غير ثابت ، وعن الثاني أنه تعالى عادل لا يجوز ولو كان الايمان والكفر والنقل من الأول إلى الثاني من فعله تعالى لزم الجور والظلم ، وإنّما فعله دعاء الناس إلى الإيمان لا إلى الكفر وهدايتهم إلى منافع الأول ومضار الثاني فمن آمن به ، وثبت له الايمان واستقر في قلبه لم ينقله إلى الكفر ولم يسلب عنه توفيقه . ( قلت له : فيكون الرَّجل كافراً قد ثبت له الكفر عند الله ثمَّ ينقله الله بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان ؟ قال : فقال : إنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق النّاس كلّهم على الفطرة الّتي فطرهم عليها ، لا يعرفون إيماناً بشريعة ولا كفراً بجحود ، ثمَّ بعث الله الرُّسل يدعوا العباد إلى الإيمان به ، فمنهم من هدى الله ومنهم لم يهده الله ) يحتمل الخبر والاستفهام أما الأول فظاهر وأما الثاني فلان السائل لما علم بالجواب المذكور أن من ثبت ايمانه لم ينقله الله إلى الكفر بسلب التوفيق عنه سأل عن حال من ثبت كفره هل ينقله من الكفر إلى الايمان باهداء التوفيق واللطف أم لا ، وانطباق الجواب على الأول ظاهر لاشعاره بأنه ممن هداه لعدم ابطاله الفطرة الأصلية بالكلية ، فلذلك تداركته العناية الإلهية ، وأما انطباقه على الثاني ففيه خفاء إذ لم يصرح ( عليه السلام ) بما سأل عنه إلاّ أنه أشار إلى تقرير قاعدة كلية للتنبيه على أن المقصود الأهم هو معرفتها ، والتصديق بها وهي أن الله تعالى خلق الناس على نحو من الفطرة ، وهي كونهم قابلين للخير والشر ، وهداهم اليهما ببعث الرسل ، وهم يدعونهم إلى الايمان وإلى سبيل الخير ، وينهونهم عن سبيل الكفر والشر ، فمنهم من هداه الله عزَّ وجلَّ بالهدايات الخاصة لعدم ابطاله الفطرة الأصلية وتفكره في أنه من أين جاء ولأي شيء جاء ، وإلى أين نزل وأي شيء يطلب منه ، واستماعه إلى نداء الحق فإنه عند ذلك يتلقاه اللطف والتوفيق والرحمة كما قال عزَّ وجلَّ : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) . ومنهم من لم يهده الله عزَّ وجلَّ لابطاله فطرته ، وعدم تفكره فيما ذكر وإعراضه عن سماع نداء الحق فيسلب عنه الرحمة واللطف والتوفيق ، وهو المراد من عدم هدايته له فقد أشار عليه السلام بتقرير هذه المقدمة إلى أن الواجب عليكم أن تعلموا وتصدقوا بأن كل من آمن به فإنّما آمن لأجل هدايته الخاصة وكل من لم يؤمن به لم يؤمن به لفقده تلك الهداية والله أعلم .